سؤال نكرره و لكن قلما نعيه ، هل مناعتنا جيدة؟ أو كيف هي مناعتنا ؟ يا ترى ما هي "المناعة" و ما هي القوى التي تقف وراءها ؟ و ما هي المواصفات و المزايا التي تجعل من هذا الحاضر الغائب جوهريا لجسم قوي البنية.
عندما يغيب ما يثير "المناعة" كالأنفلونزا او لقاحها، لا يعني هذا اختفاء لدورها بل هي مارد حاضر يسري في كل بقاع مملكة الجسم المترامية . فقوة المناعة لا تقاس بشراسة المواجهة للأمراض ولكن بحجم ما تختزنه من قوة الحضور و الهيمنة في الجسم السليم، لأن السلامة و العافية ترجع لما تتمتع به المناعة من مواصفات ، و المواصفات نتاج الأدوات و متانة الأدوات مظهر لميزات. حتى تصان مملكة الجسم و تضمن وحدته فلابد من حضورها الدائم الدقيق المتابعة لكل بقاع الجسم و فضائه . ولكن ما قيمة الحضور و الدقة دون المعرفة و الوعي. و من هنا تتقدم المناعة خطوة أخرى فيما تتمتع به من التحديث الدائم في التطور العمودي في المعرفة و الأفقي في التقنيات. و لا تأثير لعناصر متناثرة في هذه المملكة الدقيقة الصنع إلا من خلال بتكامل تخصصاتها المتنوعة لتعني "الحضور" الذي اشرنا اليه آنفا . في فضاء من الدقة و المتانة لابد أن يتناغم الكل حتى يصبح لعزف الأدوات "سمفونية الأتقان" كسمفونيات بتهوفن التي تنعش النفس و تخلق الوعي. فدقة الأدوات في ادائها و التناغم في وظائفها يفسر سر هذه المناعة التي تحفظ مملكة الجسم و تصون مداخله من ما يحيق به من الضرر. حضور المناعة مرهون بأدوات كالخلايا التي تتصف بالتنوع في الشكل و الوظيفة. خلايا كتب لها التعرف على مئات الملايين من الغريب عن الذات و ان تفرز في تعرفها بين الغريب النافع ، الذي يتقوم به الجسم و يدوم (كالغذاء) و المضر الغريب الذي منه يصان الجسم . مهمة ما أحرجها و أعنتها يجب تقوم بها الخلايا متسلحة بكل ما كسبته من معرفة و تدريب و مهنية . هذه الخلايا بحضورها الواسع في ارجاء الجسم تتناغم في وظائفها و تتوزع المهام بينها ، لا أتكالية بينها، و لا يحكمها قانون (فذاك يصان لأنه من معشر و ذاك يضام لأنه لا يركع) .
الكل فاعل في دأب لا يفتر . وتعد اللغة المشتركة التي بها تتفاهم الخلايا و تتناغم عاملا حاسما في نجاح المناعة عبر حجم هائل من السوائل المتنوعة التي تفرزها و اشكال لا حصر لها من المستقبلات على جدرانها.
و بهذا يصبح للمناعة هذه المزايا الجمة. عناصر منسجمة المهام ، متنوعة التخصص ، متناغمة في اللغة و واعية لمحيطها . إن أعظم ما تنجبه كل هذه المواصفات لأدوات المناعة قدرة المناعة في التمييز بين الذات، المعنية بحفظه و الضد المعنية بصده . قدرة التمييز قوة تجعل الجسم معافيا و أمانا من استتباب المرض و غيابها حرمان للجسم من وحدته. عندما تصبح المناعة مرضا ذاتيا ، يتآكل الجسم بفعلها و عندئذ أعلم ان الجسم قد ورث موروثا قاتلا أو كسب طبعا فتاكا ليبدل المناعة من سلاحا فتاكا للضد لمعول يهدم كل مظاهر العافية للجسم .