قصة الأيمان هي قصة السير الى الله ، رحلة و عرة و سير مضني و بالرغم من ذلك يجد الجاد في السير و يحدو مواصلا ليله بنهاره. ليس الإيمان هدفا و لا غاية في هذه القصة بل زادا و عونا للعروج لمقام الوحي و الالهام . و لكن بين الجاد في السير و المترهل فيه يمكن ان يرسم ملامح مظهرين او فريقين أو لعل منهجين هما :
ايمان النحل و ايمان الببغاء على التوالي . فالمنهج الببغائي للأيمان لا يتعدى ما يملى و يكرر على صاحبه ، فذاته لا تكسب من عزم الأيمان للسير و لا تشتعل في ثنايا روحه نار الشوق بل هو أخرس إلا ما يكرر ، فجل ما ينال من ظنه في رحلة الأيمان زعيقا يصم العالم ضجيجا . و أجمل وصفا للأيمان الببغائي ما ساقه العارف الكبير مولانا جلال الدين عندما وصف هؤلاء كالفاني عمره في جمع الحنطة في مخزن و بعد ردح من الزمن لم يرى من ذلك المخزون أثرا . و كما شبههم في مكان آخر بلاعبي الميسر الذين يفنون عمرهم في خسارة تلو الآخرى و رغم ذلك لا يقلعوا عن تكرار ذلك .
و اما الأيمان النحلي يحيل ما يكسب و يستلهم من رحيق الزهور و الطين و أوراق الأشجار في بستان الأيمان عسلا مصفى و شمعا . إيمان النحل يعني الحراك و الأنتاج و التحول و التطور و النمو و الأرتقاء و التبدل . المؤمن في بستان الأيمان نحلة كل ما ارتقى ذاتها انجبت عسلا أفضل . فالصعود يلمس في طيب عسل الأيمان الذي يعبر عن حجم الأرتقاء و أصالة الذات و في قربها لرب العالمين . قد يملك النحل في ذاته انتاج العسل لكن طاقة النحل و جودة ما ينتج تتطور و تتحسن في ما يتغذى عليه و في تطوير ما يمتلك من امكانات ذاتية . المؤمنون النحليون جوالون في بستان الأيمان كالنحل الهائم الحيران في بحث دائم للحبيب الذي اشتعل نار الوله و الحب نيرانه في قلوبهم تواقون للقاء و متشوقون لنظرة منه . فالشوق و الحرقة على قدر الدراية و التوق للقاء على قدر الأدراك . فلا عجب ان نتغذى من عسل علي (ع) في مناجاته الشعبانية هذا المصفى ((إلهي إن من انتهج بك لمستنير و إن من اعتصم بك لمستجير و قد لذت بك يا إلهي فلا تتخيب ظني من رحمتك و لا تحجبني عن رأفتك)) .
و كذلك المصطفى ، هذه النحلة الأيمانية الملهمة و المسددة بالوحي التي به احالت جدب الجزيرة و جفائها الى ذلك الأيمان من العسل المصفى فأضحت بعد الجدب انهارا من المعنى الجارية حتى فاضت على العالم كله كما قال ابن عربي ((فمن شجرة نفسه جنى ثمرة غرسه)). و كما احسن الوصف مولانا جلال الدين في رابطة الوحي و العسل :
أو به نور وحي حق عزوجل كرد عالم را بر از شمع و عسل
اينكه كرمناست بالا مي رود وحيش از زنبور كي كمتر بود؟
(ان المصطفى مليء العالم عسلا و شمعا بفضل نور وحي الحق جل و على ، لشتان بين وحي من هو اكرم الناس و وحي النحل ))
و تعد الصلاة من اعظم البساتين ازدحاما بالزهور الملئى بالرحيق و من اجودها فرعا في بساتين الأيمان و التي تعد للمصطفى- هذه التجربة البشرية العظيمة في العروج و الوحي - قرة عينه و الكورة التي فيها تذاب الأنا و تنظم الكثرة للوحدة و تتحرر الأرواح من عقالها لتنطلق في فضاء العشق الآلهي سابحة سائحة . إن الصلاة في الأيمان النحلي تجربة للعروج و الوحي بها تنطلق النفس التواقة للقاء و تحلق الروح في رحلتها المضنية للمعشوق متزودة من رحيق شجرة الصلاة و ثمارها . فهناك نحل بعسله لا يتغذى إلا هو ، و هناك نحل يغذي من حوله المصفى القراح اولئك الذين لا يصعدون الى مقام العليين و الصادقين و الشهداء إلا به . هذا النحل الذي من حوله يجتمع سرب من النحل التواق لتعلم فنون الطيران في بستان الأيمان و صنوف الطرق في استخراج العسل المصفى و سبل الأرتقاء لمقام العليين ، أولئك هم اولياء الله . ((إن الإنسان يلد بولايته لأولياء الله من جديد و يخلق فيه مزاجا متجددا و لهذا فأن اولياء الله يعرفوا بـ "الأبدال" و عرف هؤلاء بهذا على حسب ما جاء في عموم أراء العرفاء ان الأرض لا تخلوا منهم فكلما غاب واحد حل آخر بدلا له . إلآ ان للمولوي رأيه في معنى الأبدال:
كيست ابدال آنكه او مبدل شود خمرش از تبديل يزدان خل شود
إن الأبدال اولئك الذين الخمر الحرام لوجودهم أضحى خلا . لقد استبدلت انفسهم السابقة بحياة جديدة ))
فلا عجب ان يكسب الباري هؤلاء نورا و ينقلهم من نور الى نور ، فالهادي و المهتدي هائمين في عالم النور (الله نور السموات و الأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لولم تمسه نار . نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء . و يضرب الله الأمثال للناس و الله بكل شيء عليم) . هكذا في بستان الصلاة يطير النحل ليصنع من اشجاره أصفى العسل و أرقاه و لكن بفضل الأبدال الذين يحسنون القيادة بين دروب الزهور في بستان الصلاة .
ابو رسول (سيد عبد الله الصالح ) من سادة النحل في بستان الأيمان :
سيدنا الراحل –قدس الله نفسه الطاهرة- تمتع بمعان و خصال ايمانية و معنوية جعلته بحق سيدا من سادات النحل في بستان الأيمان و نحلة في اشجار الصلاة الرفيعة في هذا البستان . لقد ارتقى مقاما رفيعا من درجات الأيمان النحلي . ناهيك عن خفة طيرانه في فضاء الأيمان و قدرته الفائقة على صناعة اشهى و الذ العسل من بستان الصلاة ، تمتعه المنقطع النظير في كسبه للمؤمنين النحليين اجنحة للطيران بين ازهار بستان الصلاة و تحريك قرائحهم المطفية للأرتقاء و التطور و تعليمهم سبل الصناعة من ما يكسبون من رحيق الأزهار المتناثرة في بستان الصلاة لتفيض قرائحهم انواعا من العسل و الشمع .
ابو رسول لم يكن ذلك الأمام لجماعة يؤدي فرض الصلاة ليريح المؤمنين من اداء واجب ، بل هو ذلك العضو البارز المتدرب في سرب النحل الطائر في معية أمير النحل ، سيدنا و مولانا امير المؤمنين علي (ع) ، ففي مدرسته تدرب و على مائدته كسب فنون الصناعة و منها تحركت قرائح روحه الشفافة النورانية ليجعل من صلاته بستانا يطير المصلون محلقين . فبين "الله أكبر" (تكبيرة الأحرام) و حتى (السلام) رحلات بين دروب الزهور و طرق الصلاة التي لا يدركها إلا النحليون المتعطشون التواقون المتلهفون لأستاذ ينفخ في اجنحتهم الطيران و الدوران و الذي يفتح شهيتهم لألتقاط أقصى ما تستطيع قرائحهم من رحيق الأيمان . و لعل –قدس الله نفسه- أشد محطات صلاته رحيقا و أكثرها إثارة لأنتاج العسل ذلك القنوت الأيماني الذي تحلق بحروفه النورانية الناطقة من قلبه الجارية فيه وديان الأيمان ، القلوب لتتعلق بالمحل الأعلى . إن صلاته – قدس الله نفسه- لم تكن إلا ضربا من الصناعة الأيمانية التي في فضائها تصهر النفوس التواقة لتحلق في سماء الأيمان ، فتحيا بها النفوس و تشع بحياتها نورا و تصاب بفضل ذلك ولها و شغفا لا ينفك يتعاظم و يتطور حتى اذا بلغ (السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ) جرى في اوديتها العسل المصفى ، عسلا ليتغذى عليه سرب النحل الدوار وراءه في بستان الصلاة و هو لا ينفك كذلك طائرا في ايامه و لياليه ما ينفك يعاود الدرس في بستان الصلاة و هو محلقا وراء سيده (ابو رسول) . فهنيئا لمن اتقن الدرس فبلغ مقام النحل المحلق مع أمير النحل (امير المؤمنين) . و ليس بعسير ان يبلغ من ألف صناعة العسل وراء سيدنا ابو رسول فهو كملكة النحل التي تقود أولئك الذين لا تكل أجنحتهم الطيران في دروب الصعود و السمو لبلوغ مقام الألتحاق بسرب أمير النحل .
و السؤال الحيوي في ديمومة ذكرى هذه النحلة الملتحقة بدروب الوحي ، ما هو السبيل لتجسيد هذا المنهج الأيماني ليزحف على كل ما له صلة بالأيمان الببغائي الجاف الصامت و الباعث للسخرية من كل ما له علاقة بالأيمان ؟ ان التجربة الأيمانية في المنهج النحلي ليست شكلا من اشكال النشوة و الوله الأجوف بل هو حركة بناء تستلهم التجربة الأيمانية للنبي الأعظم (صلى الله علية و آله ) . تجربة الوحي التي على مائدتها تدرب و تغذى أمير المؤمنين (ع) و أهل البيت (ع) و كل اولئك السائرين على نهجهم . ان استلهام هذه التجربة تعد من اهم الغايات المرجوة في حركة الأيمان لكي ينبعث الأنسان من جديد و يعرج بقدر ما يستطيع لبلوغ مراتب القرب و الوصال بالباري عز وجل . ان العبد في طلبه للوصال يرتقي لمقام المحب و لكن غايته القصوى و همه الأعلى هو ان ينال مقام المحبوب . فالأول قد يرى الله و لكن الأهم و الأعظم هو ان ينظر العالم الى الله من خلال المحبوب الذي به يتجسد الله في هذا الوجود . ان طريق ابو رسول –قدس الله نفسه – هو طريق استلهام تجربة الوحي للمصطفى و اهل بيته و هو لأشد ما نحن بحاجة اليه ، فليس دروب الطاعة تمر من خلال تعليم الأحكام الشرعية فحسب و بالتأكيد ليس من خلال صلاة عاجزة عن تحريك الروح و لو حتى بمستوى النملة . إن مهمتنا هو الدفع بمستوى الصلاة لنطير في بستانها و ننال من رحيقها لتتذوق النفس من مقام العزة و الإباء و المعنى اسوة بتلك النفوس الأبية العزيزة كنفس الحسين سيد الشهداء (ع). إن بستان الصلاة بعد ابو رسول يبكي تلك النحلة الطيارة التي تجذب وراءها سرب النحل الملتحق بها . إن عزة الأمة و إبائها و حضورها المنافس المنتج في هذا العالم وثيق الصلة بحجم تحليقها في بستان الأيمان و بلا ريب بحجم ما تنتجه عسلاو شمعا من زهوره و أشجاره .
فرحمك الله يا ابا رسول ، يا نحلة بستان الصلاة ، و جزاك الله خيرا على ما استثرت فينا من فنون الطيران و انتاج العسل المصفى من بستان الأيمان .