tamazj
تواصل معنا شاركنا برأيك

  

31/12/1969م - 6:00 م | مرات القراءة: 241


يرصد قارئ التاريخ للأمم المختلفة ظاهرة صدام المثقفين واحتدام الاختلاف بينهم كأحد أهم مظاهر الحراك الثقافي في التاريخ. إن نتاج الثقافي الذي تحصده الأجيال المتعاقبة من ذلك الاحتدام الثقافي بالغ عظيم التأثير في ما يمكن للمجتمع أن يستثمره في طي مراحل التطور واكتساب القدرة على الانسلاخ من ثوب التخلف.


إن خلاف أو اختلاف أو صدام المثقفين طبع من طباع الثقافة التي تجعل في المثقف إنسانا قلقا ومهموما .و نهما للأحسن و الأفضل و مشاكسا ، طفيلي الطبع في كل ما يراه من مظاهر الحياة وذلك لسنخية الثقافة وطبع المثقف . ماهي الغاية لهذا القلق وماهي المقاصد التي يستنبطها المثقف في رحلته التي قد تبلغ حد الأشتباك مع نظرائه؟ إن الحركة المثالية التي تتطلبها الثقافة في المثقف هو بناء المنظومة الفاضلة من الحياة التي يطمح لها الإنسان (( العدالة )). إن كل ما استثمره الإنسان من مسيرته التاريخية من دماء أهرقت وأرواح أزهقت وأموال تبددت كان لأجل أن يرى حلمه المنشود حقيقة يعيشها. فالحركة في المثقف المثالي التي تبعث فيه كل هذا القلق المتطاير حممه.، هو بحثه عن سبل البلوغ للعدالة كما قال جعفر بن محمد الصادق (رض) (العدل أحلى من العسل) . فتحل بالمثقف من جراء هم العدل ، لعنة الثقافة التي يتلبس بها المثقف ويدفع من جرائها الثمن الباهض وتزداد توغلا في وجدانه كلما توغلت جذور شجرة العدالة عمقا في كيانه. إن الجدل الذي يعيشه المثقف مع مثيله ربما يصنف على ضوء ما يتطلع اليه الحوار او ما يمكن ان نطلق عليه (التدافع الثقافي). المثقفون في دائرة التدافع قد يبدون متناطحين متخاصمين الا ان همهم البحث عن الحقيقة التي تدفع بذلك الحوار البالغ حد الصراع ، وهو الذي يغذي مسيرة الصمود نحو قمة البحث عن حقيقة العدالة وسبل تمثلها.

قد يرصد الراصد اصطكاك سيوف المثقفين وقرع طبول الحرب بينهم الا ان ذلك تحضيرا لا للأقتتال بينهم بل جلبة المقاتلين المصطفين في ميادين التمرين والتدريب والمصطفين في حلبة الرماية لشحذ مهاراتهم في اصابة الهدف وتقريب سبل النظر ، كما احسن في وصف ذلك المفكر الدكتور عبدالكريم سروش (ان من يختط بقلمه مقالا أو كتابا و يعرض من خلالهما فكرا يكون قد دعى الآخرين للمناظرة و الحوار. فطرحه هذا هو دعوة للأنصات الى أقواله و المبادرة لنقدها و تحليلها ، كما أشار الى ذلك المثل (من صنف استهدف) . لذلك لا استغرب تأييد البعض او انتقادهم لتلك الكتابات . كل هذا الحراك مهم ، و تعزيز البنية العلمية للمجتمع مرهون بهذه المواجهات). لاضير في كل هذه الجلبة ففيها النعمة الوفيرة والخير الجزيل والاقتراب للحقيقة وتمثلها وتجسيد مصاديقها يستلزم كل هذه الجلبة وطبيعي ان يصحبه كل هذا الحفر في الاعماق. فكم نالت البشرية من باحثي الحقيقة سبل القوة في تخطي التلعثم الحضاري و التلكأ المدني ، فهل ياترى الانسلاخ من ثوب الماضي للباس الحاضر ياتي دون الم ومعاناة. ولعل خير مايقرب المعنى المطلوب في ما نريد الاشارة الى ذلك الجدل المحموم الذي دار بين المعتزلة و الأشاعرة في مراحله الاولى قبل ان ينحرف عن مساره فيجعل من باحثي الحقيقة اولئك ادوات السياسة التي جعلت من ارائهم حججا لتصفية المناوئين.

ان الحضارة الاسلامية اكتنزت من الحوار الأشعري-المعتزلي الزاد الذي طال الحاضر وفيه من الوفره مايكفي للقادم من الاجيال ، هذه حقيقة التدافع الثقافي فمنه تجنى الثمار .

واما الدائرة الثقافية التي يمكن ان ينتمي اليها صدام المثقفين هو الصراع الحقيقي والاحتراب الذي قد يقع بين فريق طالبي الحقيقة من المثقفين بناة العدالة وبين تجار الثقافة الذين اتخذوا الثقافة معولا للهدم وبرهانا للتظليل والظلام. ولعل اللبيب الفطن يشخص امارة هذا الصراع ليرى فيه حرب بين الدجل والحقيقة والظلال و الهدى والبناء والهدم  لاطريق الى العدالة .

 المجتمع المدني الذي تشاع فيه الحقوق وتستشري فيه العدالة و الحرية لا يرى الواقع الا بالعمل على اشاعة التدافع الثقافي من خلال بيئة تحفز المثقفين لمزيد من التدافع ، ففي ذلك ما تحتاجة الحضارة من ادوات البناء ومواده. فلتعمل كل اجهزة الثقافة ومريديها بجد واجتهاد في اتاحة الفرحة لنجاح مشروع القضاء على كل الملوثات الثقافية المعوقة لبيئة صحية في التدافع الثقافي.





التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!